[#6] قرنٌ مهين: خالد فهمي واختراعُ مستقبلٍ بلا ماضٍ مثالي
في هذه الحلقة من تحوّلات، يحاور حمد الغيثي المؤرخ خالد فهمي حول جذور الأزمات المتراكمة في العالم العربي والسؤال الجوهري: هل يوجد أصلاً «عالم عربي» بوصفه كيانًا جيوسياسيًا مستدامًا؟ يناقشان الإرث الاستعماري، والصراع العربي–الإسرائيلي، وهشاشة الدولة العربية، ومنهج فهمي في قراءة التاريخ عبر الممارسات اليومية بدلاً من الثنائيات الفكرية المبسطة، موضحًا كيف أن غياب المواطنة ودولة المؤسسات سمة عامة في التجربة العربية الحديثة.
• نص المقابلة
مقدمة
حمد الغيثي: مرحباً بكم في بودكاست تحوّلات مع حمد الغيثي. ضيفنا اليوم هو البروفيسور والمؤرخ المعروف خالد فهمي، أستاذ التاريخ في جامعة تفتس، عمل قبل ذلك في عدة من الجامعات المرموقة: هارفرد وأكسفورد وبرنستون. نناقش اليوم الثقافة السياسية في الدول العربية منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، والأزمات المتوالية التي تعانيها الدول العربية والمجتمع السياسي العربي. مرحباً بكم. دكتور خالد، شرّفتنا.
خالد فهمي: الشرف لي أنا، شكراً جزيلاً على استضافتي وأتطلع لهذا اللقاء.
حمد الغيثي: شكراً. من محاسن الصدف أننا نجتمع اليوم في جامعة تفتس، نلتقي هنا. أنا كنت أتابع أعمالك وأتابع نشاطك منذ الربيع العربي في مصر 2011، فشرف كبير لي.
خالد فهمي: الشرف لي أنا، شكراً لك.
عدم الاستقرار في العالم العربي: لماذا وأين بدأت القصة؟
حمد الغيثي: بروفيسور خالد، من المغرب حتى العراق، العالم العربي يمر بأزمات، بعضها حاد وبعضها يعتمل. المغرب - نحن الآن في نهاية أكتوبر 2025 - المغرب شهدت تظاهرات في الأسابيع الماضية، الجزائر في مرحلة غريبة جداً، مصر تعيش على الإحسان العربي والدولي، سوريا ولبنان والأردن ما بين حرب أو صفيح ساخن. حتى الخليج العربي الذي كان في منأى من جزء كبير من هذه التقلبات السياسية في المجتمع العربي. قطر تعرضت لهجوم إسرائيلي قبل فترة بسيطة، الإمارات والسعودية تعرضت لضربات حوثية، فضلاً عن التهديد الإيراني المستمر والضربة الأخيرة لإيران. لماذا كل هذا عدم الاستقرار والتوتر وغياب التنمية والحكم الرشيد في الدول العربية؟ السؤال الأول: لماذا؟ وأين بدأت القصة؟
خالد فهمي: طبعاً ده سؤال وجيه وفي محله، ويمكن تناوله من جوانب مختلفة. أنا مؤرخ، وسبب أنني اخترت التاريخ أنني مقتنع أن دراسة الماضي ممكن أنها تلقي الضوء على فهم الحاضر وكمان استشراف المستقبل. السؤال هو: أيه الخلفية التاريخية لحالة التردي العربي والتفسخ العربي. وده بيستدعي سؤال أعمق وهو: إذا كان في كيان أو وحدة - مش قصدي وحدة بالمفهوم الناصري، بس قصدي وحدة تحليلية - نقدر نقول عليها العالم العربي.
هل في كيان جيوستراتيجي اسمه العالم العربي؟
خالد فهمي: وهو ده السؤال الأساسي: إذا كان في كيان نقدر نتخيله في المستقبل له هوية وله مركز ثقل وله قدرة على الاستدامة اقتصادياً وعلى التحرك بشكل مستقل بعيد عن مناطق النفوذ الخارجية. هو ده المفهوم. خلينا نحي جانباً سؤال الهوية وهل في هوية عربية مشتركة - ده سؤال طبعاً شائك، مش قصدي أقلل من قيمته. بس السؤال هو: هل في كيان جيوستراتيجي ممكن نشير إليه بمصطلح العالم العربي؟
وده السؤال اللي احنا فيه. طبعاً اللي احنا شايفينه دلوقتي - سؤالك بيستدعي أو بيفترض أن في شيء مشترك بين ما يحدث في المغرب وما يحدث في الخليج. أنا في رأيي أنه دراسة تاريخ المنطقة دي في القرن العشرين توضح لينا أنه كان في محاولات لتأسيس منطقة اسمها العالم العربي تكون مستقلة عن النفوذ الخارجي وتتحرر من الاستعمار. واحنا اعتقدنا في لحظة ما أن احنا حققنا ده في الخمسينات والستينات.
السؤال هو: إلى أي درجة كان هذا التحقق فعلاً سليم؟ هل فعلاً قدرنا أن احنا نتحرر من الإرث الاستعماري ونستقل بإرادتنا؟ وده بيستدعي طبعاً السؤال: في بؤرة في منتصف كل ده، في استفحال الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، استفحال الصراع العربي-الإسرائيلي. كيان قوي معسكر له أطماع استعمارية وتوسعية وبيشكل تهديد للفكرة دي، لفكرة العالم العربي.
أعتقد أنه بداية التحليل لازم ياخذ في عين الاعتبار - لأن ده اللي بيتقال عليه بالإنجليزي 'the elephant in the room' - ده الشيء اللي بحضوره الطاغي ممكن يعمينا عن وجوده. ممكن يشتتنا للكلام عن بعض الفروقات اللي ممكن في ليبيا تختلف عن اليمن أو عُمان. إنما في شيء مشترك يجمع ويشتت هذه المنطقة، ده فكري أنا.
حمد الغيثي: ممتاز. يعني أفهم من كلامك أنه قبل حتى أن نبدأ نتحدث إذا كان هناك هوية مشتركة ثابتة ما بين الدول العربية، يجب أن نأخذ في الاعتبار إرث القوى الاستعمارية وأيضاً المشروع في فلسطين، لأنه هذا أسهم في صياغة مشروع الدولة الوطنية في المنطقة العربية.
دولة محمد علي: الحداثة بدون مواطنة
حمد الغيثي: هذا ممتاز. أنت كتبت - لك كتاب رائع جداً "كل رجال الباشا" - تحدث عن دولة محمد علي وتأسيسها. وتعرف، في الوسط الثقافي العربي يُنظر إلى دولة محمد علي - وقبلها الحملة الفرنسية في مصر - باعتبارها أول مساس ما بين الثقافة العربية والمشروع الحداثي الأوروبي. وغالباً المثقفون عندما يتناولوا تلك الحقبة يركزوا على الاستقطاب ما بين التراثيين وما بين المثقفين الليبراليين أو النهضويين. أنت أخذت منحى مختلف وذكي جداً، منحى موضوعي: يعني بسط التفاعل من منظور الجمهور المصري، الشعب المصري، مع مؤسسات هذه الدولة الحديثة في مصر. كيف كان تفاعل المجتمع المصري مع دولة محمد علي ومؤسساتها، وخاصة الجيش؟
خالد فهمي: الشاهد في هذا التفاعل أنه ما كانش مهووس بصراع مفاهيمي أو بصراع فكري وتأثير أفكار وافدة من الغرب، زي ما المثقفين يحلو لهم تخيل هذه اللحظة. أن في أفكار حداثية وفدت والأفكار دي زعزعت عقيدة بعض الناس واستمالت بعض العقول واستثارت آخرين للقيام بمقاومة فكرية واجتماعية. وده مش حقيقي. ده تاريخ فكر وده ممكن يكون بالنسبة لبعض المفكرين النخبة.
إنما أنا كنت عايز أعرف جموع المصريين، طبقاتهم المختلفة، وتفاعلهم مع - مش الأفكار الوافدة بس - الممارسات الجديدة. وإزاي رؤيتهم لذواتهم وممارساتهم لحياتهم اليومية وتفاعلهم مع مراكز القوى والسلطة والنفوذ في محيطهم القريب. لأنه ما كانش لسه في حاجة نقدر نتخيلها أن في حاجة اسمها دولة مصرية أو حتى مجتمع.
التجنيد والتطعيم: المقاومة لم تكن دينية بل سياسية
خالد فهمي: خلينا ناخذ التطعيم. التطعيم كان جديد. الجدري كان بيحصد ربما 3000 طفل بين الميلاد لثلاث سنوات كل سنة. طبعاً ده بيأثر على معدل المواليد وزيادة السكان وهو إهدار كبير جداً للثروة البشرية. المصل موجود، التكنولوجيا - بمعنى آخر التطور الطبي - كان موجود. ما كانش ده المعضلة في نشر التطعيم.
الأطباء الأجانب، الفرنسيين تحديداً، اللي عُهد ليهم بالقيام بالمهمة دي، في مذكراتهم يُلقوا باللائمة على شيء اسمه "الإسلام" - هو العائق والموروث، العادات والتقاليد. وتحديداً اقتناع الأهالي المسلمين بأن أولادهم دمهم هيختلط بدماء المسيحيين. والفكرة دي اتقالت واتكتبت ورُددت كثيراً في أسباب المقاومة.
أما درست وتتبعت الموضوع، لقيت الموضوع أخطر من كده. في مقاومة صحيح، المقاومة هم مالهاش علاقة بالدماء وخلطة دماء المسلمين بغير المسلمين ولا علاقة بالإسلام. الموضوع له علاقة بالتجنيد!
المصريين نفروا من التجنيد وقاوموه بكل الأساليب، ده معروف. وأنا درسته في كتابي الأول وعرفت أسبابه. باختصار: أن ده مش جيشهم، وأن هم متأخذين عنوة للخدمة في جيش عمره حتى ما ادعى أن هو جيش وطني، وبيحاربوا مسلمين آخرين، وبيحاربوا في بلدان ما يعرفوهاش. فبالنسبة لهم التجنيد مش تجنيد في مشروع مشروعهم.
علاقة التطعيم بالتجنيد علاقة وثيقة. أول محاولة لجمع جنود للخدمة في جيش محمد علي - قبل تجنيد المصريين - كان من السودان. محمد علي أرسل حملة للسودان، جمعت ونجحت في جمع 20,000 سوداني، نجا منهم 3000 فقط. الباقيين نفقوا في الرحلة الطويلة من السودان إلى أسوان.
اللي نجا منهم في أسوان، أول حاجة اتعملت ليهم في أسوان حاجتين: اتوشموا والتطعيم. الاسم المصري، اللفظ المصري اللي استُخدم للعمليتين دول هو نفس اللفظ: دق أو دق الدق. الجدري هو نفس المصطلح بتاع الوشم. والاثنين مقترنين بالتجنيد، لأن الوشم كان لمحاولة تعليم الأجساد للقبض عليهم عند الفرار أو الهروب.
وبالتالي الناس خلطت بين التطعيم والتجنيد. وطبعاً وراء ده هو إدراك يمكن لا واعي بأنه المقصود هو حماية حيوات المستعبدين دول للخدمة في الجيش. يعني هو فعلاً في إدراك أن التطعيم مفيد، هو بيحمي الحياة، بس بيحميها لمين؟
حمد الغيثي: توضيح للمشاهدين: ماذا كان يعني التجنيد في جيش محمد علي؟ هل هي خدمة سنة سنتين للجيوش الحديثة؟
خالد فهمي: ما كانش في - هو ما كانش لسه في لوائح موضوعة أو قواعد منهج لمدة كم سنة. الفكرة أنه التجنيد كان عملياً مدى الحياة، إنما ده عمره ما أُفصح عنه. مصر من سنة 1821 لـ 1840 وهي في حالة حرب، والجيش بيخوض معارك وحملات في كل الجبهات: في الجزيرة العربية، في اليمن، في الخليج العربي، في الشام، في كريت، في قبرص، في المورة، في السودان. فالضغط على القوى البشرية ثقيل وما بيخفش، والعمليات التجنيد متلاحقة.
المواطنة: الصراع الطبقي قبل الفكر
حمد الغيثي: ممتاز. أنا طبعاً أدرس دراسات أمنية هنا في الجامعة. التجنيد الإجباري الحديث بدأ مع نابليون. في نوع من الآيرني، الفارق: أنه محمد علي طبعاً - أعرف أنه عنده خبراء فرنسيين كثار في مختلف المجالات، خاصة المجال العسكري - استعان بالنموذج الفرنسي للتجنيد الإجباري الذي تمارسه الدولة. لكن مفهوم المواطنة - نعرف أن الثورة الفرنسية: حق وحرية ومساواة - هذا كان في سياق مختلف. لكن في مصر، متى بدأت مفهوم المواطنة تنتشر لدى الوسط المصري، في مقارنة أو في مقابل مفهوم الفرد المُراقب الذي تراقبه الدولة عن طريق التجنيد، عن طريق وسائل الصحة، عن طريق مصلحة الضرائب وغيره؟ فمثلاً المواطن أو المصري، المصريون بدأوا يشعروا لهم حقوق على الدولة مثل ما عليهم واجبات يؤدوهم؟
خالد فهمي: نقطتين. النقطة الأولى أنه عملية الاقتباس ما كانتش مباشرة. الاقتباس من فرنسا ما كانش بشكل مباشر. طبعاً أيوه هو جاب خبراء من فرنسا، بس كل ده بيحصل في سياق عثماني. بداية التجنيد والاقتباس من فرنسا هو اقتباس في حقيقة الأمر من التجربة السابقة العثمانية. بداية تحديث الجيش بدأت من السلطان سليم الثالث في الدولة العثمانية في الـ1790s، اللي هي بالصدفة مواكبة للحملة الفرنسية لمصر.
الجزء الثاني من سؤالك - موضوع المواطن - برضه الموضوع مش فكر بينتشر كرأي. التنظير بتاع أفكار الحرية والمساواة والإخاء ده نتاج صراع. الصراع ده مش صراع فكري، ده صراع اجتماعي اقتصادي أفضى إلى ثورة عارمة في فرنسا. الثورة دي هي ثورة بين ناس لها مصالح في طبقات. الصراع ده بيتمخض عنه فكر، الفكر ده بنقرأه بعد كده، بس الفكر ده وراه مصالح عديدة.
لما نيجي هنا في مصر، صعب أن أنا أقول أن واحد زي الطهطاوي راح وشاف وترجم وجه. ليه الفكر ده ما انتشرش؟ فين القاعدة الاجتماعية الاقتصادية اللي ممكن تدعم - مش بس تدعم - اللي ممكن تخلق وتنتج فكر عن مصالحها؟ احنا لسه - أنا في رأيي - ما درسناش بشكل واعي وكافي وعميق ودقيق الصراع الطبقي في مصر في العشرينات والثلاثينات والأربعينات والخمسينات اللي كان ممكن ينتج فكر تحرري ممكن نقول عليه المواطنة أو الديمقراطية.
ضباط محمد علي: عبيد الأمس، سادة اليوم
خالد فهمي: لو رجعنا للنقطة - بداية سؤالك - جيش نابليون والمواطنة، ونعمل مقارنة مع جيش محمد علي، في جزء أساسي ناقص أو المقارنة مهمة وهو طبقة الضباط. ضباط نابليون كانوا نتاج الثورة الفرنسية. وكثير منهم - المارشالات الـ24 مارشال اللي عملهم، ده منصب جديد أعلى منصب في جيش نابليون - أعتقد أن 18 منهم من أصول ريفية متواضعة، واحد منهم أبوه كان خادم والثاني كان إسكافي صانع أحذية. وبالتالي كان معيار الترقي مش الولاء بس، التفاني والإخلاص والمهنية.
جيش محمد علي ضباطه مش كده. جيش محمد علي ضباطه - أصلاً دول عبيد حرفياً. ضباط محمد علي - مش بس احنا بنقول سليمان باشا ومحمد علي وإبراهيم باشا - سليمان باشا الفرنساوي استعان بضباط فرنسيين، مش صحيح. الأمراء اللواءات، كل اللواءات كان اللفظ بتاعهم الأمراء، الأمراء لواءات دول والقائم مقامات دول مين؟ دول المماليك اللي أمراءهم ذُبحوا في مذبحة المماليك.
في مذبحة المماليك في 450 مملوك أمير عُدموا في ظرف شهر. دول مماليك، كل واحد فيهم أمير عنده بيت من الجواري وعنده جيش صغير، جيش خاص. أما الأمراء أُبيدوا، محمد علي ورث ممالكهم. محمد علي ورث 800 وابنه إبراهيم ورث 300. دول كانوا غلمان 10 سنين، 13 سنة، 15 سنة. اتأخذوا ومحمد علي رباهم في كنفه، وإبراهيم عمل نفس الحاجة.
المذبحة حصلت سنة 11، بداية التجنيد بعديها بالضبط بـ10 سنين. في الـ10 سنين دول الضباط دول كبروا، بقوا دلوقتي في منتصف العشرينات أو بداية الثلاثينات. وهم دول الأمراء، دول ناس بتتكلم تركي، ما لهمش أي أصول بمصر، ولاءهم الوحيد لمحمد علي وعائلته، وما بيتكلموش عربي. وعلاقتهم بالجنود اللي هم دلوقتي بيتمرنوا عليهم علاقة سيد بعبد. يعني العبيد السابقين دلوقتي بقوا هم السادة الجدد. ده فرق كبير، لأنه هنا معيار الترقي هو معيار ولاء مش إخلاص للأمة.
هشاشة الدولة العربية: من مصر إلى المشرق
حمد الغيثي: رائعة. يعني الإشكالات التي رافقت مشروع محمد علي، كل هذه التشابكات التي ذكرتها، هل تكررت في بقية ما أصبح الدول العربية؟ يعني هل هذه - أنت الحين مثلاً تكلمت عن مفهوم الأمة غير موجود، الجيش لم يكن وطني، الدولة الأولى لم تكن دولة وطنية كانت مشروع شخصي وأسروي - هل تكرر هذا لدى بقية المناطق العربية؟ يعني هل هذه ولادة ضعيفة أو محلية لمصر، هل تكررت لدى باقي الدول العربية بحيث أنه نرى هذه الإشكالات تتوالد؟
خالد فهمي: لا، هي ممكن بشكل عام نقدر نقول أن الدولة العربية، الدول العربية دول هشة. وطبعاً النموذج المصري تمثيلي بيبقى نموذج ملهم لأنها دولة سابقة. بس أما بندرس هي إزاي، فبنكتشف برضه قد إيه هي هشة. ما فيش مشروع مماثل لمشروع محمد علي في البلدان العربية.
اللي احنا بنشوفه في البلدان العربية هو - أكثر شيء - ارتباط تأسيس الدولة بالاستعمار. يعني في دول عديدة في المشرق العربي - طبعاً المغرب له وضع خاص والجزائر لها وضع خاص - بس نتكلم عن منطقة الشام، سوريا الكبرى - اللي كان العثمانيين يشيروا ليها عربستان.
سوريا وفلسطين ولبنان تأسسوا كدول، كبلدان بحدود وكيانات لها استقلالية أو لها بيروقراطية مستقلة ولها جيش مستقل، ده ضمن بعد الحرب العالمية الأولى. وده كان مرتبط بالاستعمار. دي دول اتحطت تحت الانتداب. وبالتالي دراستها لازم تاخد في عين الاعتبار لحظة التأسيس دي، والإرث العثماني، الخلفية العثمانية، البيوتات الكبيرة.
الانتداب الفرنسي والانتداب البريطاني وتأسيس الدول الحديثة بالشكل اللي احنا بنقول عليه سايكس-بيكو - لحظة سايكس-بيكو هي لحظة مهمة، لحظة فارقة، هي اللي تأسست بها هذه الدول.
عبد الناصر: دولة بلا مؤسسات
حمد الغيثي: ننتقل قليلاً إلى منتصف الخمسينات. أنت كتبت عن ناصر ودرست تجربة 67. وصفت مشروع ناصر أنه استمرار لتقاليد السلطة المركزية التي أسسها محمد علي لكن في ثوب قومي جديد. هزيمة 67 لم تكن سقوطاً عسكرياً بل لحظة انكشاف لبنية دولة صنعت جيشاً ضخماً دون أن تبني مؤسسات سياسية شرعية. أنا أعتقد أنها - كان ما أقول قاسية - لكنه مؤلم والحديث يستحق ذلك طبعاً. كيف كانت تجربة وهزيمة 67؟
خالد فهمي: ليه مؤلم؟ أحب أعرف ليه بتقرأ على أنه مؤلم أو إيه المؤلم اللي فيه؟
حمد الغيثي: المؤلم مش النقد. المؤلم أنه دولة بحجم مصر تحت قيادة عبد الناصر تقود العالم العربي في تلك الفترة وحركة عدم الانحياز وغيره، كانت تُدار بالشكل الذي ذكرتها - صراع ما بين عبد الحكيم عامر وثلته وعبد الناصر. أنه ما في مؤسسات، ما في - تم ضرب كل المؤسسات، كل الفعاليات السياسية، كل الـchecks and balances، التوازن والرقابات. هذا كان مؤلم جداً بالنسبة لي أنا - يعني شاب عربي ومولود - لكن تداعيات ما زالت قائمة إلى يومنا وغدنا.
الصراع الحقيقي: عبد الناصر وعبد الحكيم عامر
خالد فهمي: هو طبعاً أنا برضه لما ابتديت أقرأ وأدرس كنت صُدمت من مقدار التخبط في أداء الدولة. أما بنبتدي نفكر على مثلاً الصراع الداخلي، الصراع الوحيد اللي بيقفز إلى أذهاننا هو صراعه مع محمد نجيب 53-54، الصراع بين المشير والرئيس. وفي كتب بهذا العنوان.
إنما الصراع بين المشير والرئيس الحقيقي والمهم وبالغ الأثر والتأثير ما كانش بين محمد نجيب وعبد الناصر. هو كان بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر. ده الصراع اللي في رأيي هو في لُب الدولة الناصرية، وما ينفعش النظر إلى تجربة عبد الناصر دون أخذه في عين الاعتبار.
وأنا مش الوحيد اللي بقول الكلام ده. محمد فايق، محمد أمين هويدي، ومحمود رياض - الثلاثة أشخاص دول في مذكراتهم بيقولوا أن أهم سبب - مش من أهم، أهم سبب - لهزيمتنا بـ67 هي العلاقة الغريبة بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، والصراع بينهما. وأن عبد الناصر أساس فشله في حرب 67 هو أنه ما قدرش يتحكم في عبد الحكيم عامر.
الموضوع مش 67، الصراع ده يمتد لـ56. والموضوع مش صراع شخصي ولا هو صراع حاسم. حازم قنديل عنده كتاب رائع وتُرجم بالعربي أخيراً: "Soldiers, Spies, and Statesmen". هو الصراع بين الثلاث مؤسسات دي: مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الجيش ومؤسسة الأمن أو المخابرات وجهاز الشرطة.
البعد الاقتصادي: الجيش والقطاع العام
خالد فهمي: اللي غايب في رأيي في تحليل حازم قنديل هو البعد الاقتصادي للصراع ده. لو خدناه على دولة عبد الناصر، الموضوع ما كانش صراع بين عبد الحكيم عامر وعبد الناصر، ولا صراع بين مؤسسة الجيش ورئاسة - ده صحيح - بس اللي بيعكس ده، اللي مخلي الصراع ده مستفحل أكثر، هو أن ليه بعد اقتصادي وليه بعد إيديولوجي.
البعد الاقتصادي: أنه عبد الحكيم عامر بيدافع عن طبقة صاعدة من الضباط. هي دي فئة، بس بتتحول إلى طبقة لها مصالح اقتصادية. بتستخدم أجهزة الدولة وتحديداً القطاع العام للاستئثار بموارد الدولة، موارد البلد. فبيعيّن الضباط السابقين في الخارجية. احنا عندنا 60% من سفراء مصر في غرب أوروبا كانوا لواءات أو ضباط جيش سابقين.
بس الأهم من كده هو تعيينهم في شركات القطاع العام كمديرين عموم لشركات القطاع العام. عبد الحكيم عامر نفسه كان رئيس الهيئة الاقتصادية المهيمنة على هذه الشركات. أنا قعدت أتتبع جدوله الأسبوعي في الأسابيع اللي بتؤدي إلى 67 - هو مش مهتم بالجيش، راح الجبهة مرة واحدة، ما بيقابلش القادة بتوعه. اللي بيعمله أنه بيعيّن رؤساء شركات القطاع العام.
الطريق إلى هزيمة 1967: ثلاثة قرارات حاسمة
حمد الغيثي: لماذا دخل هذه المعركة إذاً؟ لماذا دخل معركة ضد عدو قوي وهو لا يملك سيطرة على جيشه وغير مستعد لذلك؟ أتكلم عن 67.
خالد فهمي: ده طبعاً سؤال اتسأل كثير وسؤال مهم جداً. أنا في رأيي أنه أساء إدارة هذا الصراع. السؤال ده بيتسأل للاثنين، المفروض أن احنا نسأل السؤال ده عن الجيش وعبد الحكيم، ونساله للقيادة السياسية. الاثنين كانوا عارفين أن احنا مش جاهزين. سيبنا من الكلام، دول ناس كانوا فاهمين أن هم مش جاهزين.
إجابتي على السؤال - وإجابة تقنية - في حقيقة الأمر مصر ما حاربتش إسرائيل، إسرائيل اللي هجمت على مصر. يبقى نرجع لموضوع الخليج. وفي ثلاث قرارات حاسمة هي اللي أدت إلى اندلاع الحرب يوم خمسة يونيو:
أول قرار كان إعلان التعبئة العامة وحشد القوات إلى سيناء. عشان نفهم الموضوع ده، لازم ندرك أن سيناء كانت منزوعة السلاح. كان فيها فرقة واحدة وكانت حتى فرقة غير كاملة. قبل مايو 67، من 57 لـ67، سيناء كانت في حقيقة الأمر منزوعة السلاح. يوم 15 مايو أعلنا التعبئة العامة وأرسلنا 80,000 جندي في 48 ساعة.
يوم 18 مايو، الخطوة اللاحقة كان طرد قوات الأمم المتحدة اللي كانت متمركزة على الجانب المصري من الحدود مع إسرائيل.
يوم 23 كان القشة التي قصمت ظهر البعير، اللي هو إغلاق مضيق تيران للملاحة الإسرائيلية.
في الثلاث مراحل دول، بنشوف لما نشوف تفاصيلهم أن عبد الناصر كان ضدهم، وأن عبد الحكيم هو اللي بيدفع.
قرار التعبئة: الجيش يتخذ القرار في غياب عبد الناصر
خالد فهمي: يوم 15 مايو، وصلت لمصر يوم 13 مايو أخبار من الاتحاد السوفيتي أن إسرائيل بتحشد قوات للهجوم على سوريا. عبد الناصر اجتمع مع عبد الحكيم وقرروا هم الاثنين يرسلوا محمد فوزي رئيس أركان الجيش لسوريا للتحقق من صحة المعلومات. فوزي راح يوم 15 الصبح، بناء على الاتفاق المسبق في الليلة اللي قبلها بين عبد الحكيم عامر وعبد الناصر.
أما وصل السوريين قالوا له: لا، الكلام ده مش صحيح. وتعال نطلع للطيارة نشوف. فعلاً ما لقوش. في غيابه، قيادات الجيش اجتمعت وقررت أنها تحشد القوات وترسلها إلى سيناء.
حمد الغيثي: موافقة عبد الناصر؟
خالد فهمي: لا، الاجتماع ده عبد الناصر ما كانش حضره. هيكل بيقول أن وقت الاجتماع عبد الناصر اتصل تليفونياً بعبد الحكيم وأملى عليه بعض التعديلات. بس هذا الاجتماع المهم جداً حصل قبل ما الأخبار توصل. أما رئيس أركان الجيش وصل يوم 15 بالليل، كان القرار اتخذ.
بس الأمر الآخر الخطير: أن الاجتماع ده ما حضرش عبد الناصر. وهيكل بيقول: ما نعرفش بالضبط إيه اللي قاله عبد الناصر لعبد الحكيم في التليفون أثناء انعقاد القيادة. وبيلمح - في قراءتي أنا - هيكل عمره ما بيكتب بس، هيكل بيضلل القارئ وما بيفصحش. أنا في رأيي أن هيكل عارف أن عبد الناصر كان ضد القرار، وعارف أنه إيده مخلولة، وعارف طبعاً أنه ما حضرش. فبيقول أنه ما حضرش، ما بيكذبش، بس ما بيقولش أنه اعترض. أنا في رأيي أنه كان يعترض.
قرار إغلاق مضيق تيران: عبد الناصر يسكت
خالد فهمي: أخطر شيء هو القرار الأخير بتاع إغلاق مضيق تيران. القرار ده احنا عندنا تسجيل حتى فيديو ليه. ده بيعلنه عبد الناصر في وجود عبد الحكيم وقيادات الجيش في قاعدة جوية في بير جفجافة في وسط سيناء يوم 23.
إنما عندنا دلوقتي كتاب نُشر من أكثر من 10 سنين باستخدام وثائق الجيش لأول مرة. قبل الاجتماع ده، اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي اجتمعت في بيت عبد الناصر. دول دي اللي هو صلب الدولة المصرية.
عبد الناصر بيقول لهم: أنا اللي حصل دلوقتي هو اللي أنا كنت خايف منه. اللي هو إيه؟ هنعمل إيه في شرم الشيخ؟ شرم الشيخ كان فيها قوة لحفظ السلام تبع الأمم المتحدة، طردناها. بقى في فراغ، مين هيملأه؟ الجيش. هنعمل إيه بعد ما الجيش يوصل؟ لو أغلقنا يبقى ده حرب.
فقال: أنا رأيي أن احنا نعلن السيطرة مش الإغلاق. وأخذوا تصويت ووافقوا. عبد الحكيم اعترض وقال: أنا دلوقتي هبعت رجالي شرم الشيخ ويشوفوا السفن معدية، وأنا أضمن منين واحد ما تأخذوش الحمية ويطلق النار؟ لازم أدي له تعليمات واضحة. لازم يبقى في إجراء. وأنا رأيي أن احنا نغلق.
طبعاً أما الواحد بيقرأ الكلام ده، لازم يفهم: مين اللي بيتكلم؟ قائد الجيش بيقول الكلام ده لمين؟ قائد دولة. قائد الجيش بيقول إيه؟ بيقول: أنا أقدر أحقق ده. والشيء المبطن هو إيه؟ أنت ما تقدرش. ده اتهام مبطن لرأس الدولة أنه ما بيديرش الموضوع بشكل حاسم. ورأس الدولة اللي كان شايف مع زملائه أن ده شيء خطير احنا ما نقدرش عليه، سكت.
حمد الغيثي: سكت ليه؟
خالد فهمي: لأنه في خلل في الدولة. في خلل في سيطرة الدولة على جهاز مهم جداً هو الجيش.
هدف عبد الحكيم عامر: تصفية الحسابات
حمد الغيثي: كان هدف عبد الحكيم عامر دفع - هل كان هدفه إسقاط جمال عبد الناصر؟
خالد فهمي: لا. حازم قنديل عنده تحليل حلو في كتابه، بيقول: عبد الحكيم كان عايز حرب.
حمد الغيثي: الجيش عايز حرب، هيخسرها؟
خالد فهمي: لا، ما كانش شايف أنه هيخسرها. مش هيكسبها، بس مش هيخسرها. ما اعتقدش أنه عبد الحكيم كان ناوي أنه يخش معركة، أو كان فاكر أن هو عنده القدرة على إزالة إسرائيل. وما اعتقدش أن هو كان شايف أن هو ممكن يلحق هزيمة محققة بإسرائيل. بس برضه ما كانش مقتنع أبداً أن هو هيهزم هذه الهزيمة الماحقة.
أعتقد أن هو كان غرضه - وده اللي احنا شايفينه دلوقتي - طول الوقت ده عبد الحكيم حاطط خطط بيسموها تعرضية هجومية. غرضها إيه؟ مش الوصول لتل أبيب. غرضها فصل النقب، الهجوم على النقب، على إيلات والنقب الجنوبي، بغرض عزله بين إيلات وبئر السبع. في خطط اسمها الخطة فجر، الخطة فهد، الخطة أسد، بس غرضها محدود.
الإجابة على سؤالك بتاع عبد الحكيم: حاجة من اتنين. يا إما هننتصر على إسرائيل ونعلّم عليهم - زي ما بنقول بالعربي بالمصري 'to score a point' - مش أن أنا هأبيد إسرائيل، بس أن أنا أحقق انتصار تكتيكي ممكن أعزل بيه. وطبعاً ده كان هدف قديم لمصر من وقت الخطة جاما والخطة ألفا بتاعة منتصف الخمسينات: هو استعادة النقب وتحقيق تواصل بري بين مصر والأردن.
الغرض السياسي: هو قال عبد الحكيم "أنا بيني وبين ديان تار من سنة 56، عايز أصفيه". والغرض الثاني: "أنا بيني وبين عبد الناصر تار برضه من 56". وقرار التأميم اتخذ بدون إعلام الجيش، عبد الحكيم لم يُستشر.
لو أخذنا في عين الاعتبار هذا الصراع بين المؤسستين دول، هنكتشف أنه بينهم تار، وأن عبد الحكيم عايز يخلص التار ده. عايز يعيد هيمنة الجيش على مقاليد الأمور، بس مش الإطاحة بعبد الناصر. لو فشل - غالباً هو فكّر - طبعاً ما عندناش مذكرات - لو فشل في ده، طبعاً مش هيكون عمره ما كان يتنبأ أن الفشل هيكون زي ما حصل.
حمد الغيثي: هتبقى تسوية سياسية؟
خالد فهمي: مين اللي هيشيل اللوم؟ عبد الناصر.
خاتمة
حمد الغيثي: بروفيسور خالد، أعتقد نقاش مثري وأنا للأسف في محاور كثيرة لم أكملها. لكن إن شاء الله نأخذ منك وعداً باستضافة قادمة. مسار مصر الحالي لم نتحدث عنه، تأثير إسرائيل في العالم العربي لم نتحدث عنه، تأثير القوى الاستعمارية لم نتحدث عنه، مستقبل المنطقة العربية في خضم الظروف الحالية أيضاً لم نتحدث عنه. أشكرك جزيل الشكر.
أعتقد حديثك أو نقدك لتجربة 67، للدولة المصرية، كان قاسياً. يعني هذا مش انتقاد - الانتقاد مؤلم. مؤلم جداً أما الواحد يدرس ده. شيء ارتُكب باسمنا ومازلنا بندفع ثمنه لحد النهارده.
خالد فهمي: إلى يومنا. شكراً جزيلاً لك.