[#7] خالد فهمي: لماذا محكومٌ على العرب بالفشل من عبد الناصر للسيسي؟

في هذه الحلقة من تحوّلات، يواصل حمد الغيثي حواره مع المؤرخ خالد فهمي حول إرث ثورة الضباط الأحرار وجمال عبد الناصر. يحلل فهمي التحولات الاجتماعية والاقتصادية بعد 1952، مؤكدًا أن عبد الناصر كان أول من أدرك فساد النظام السياسي الهيكلي، لكنه عجز عن السيطرة على الجيش ومؤسسة عامر. يناقشان تجريف الحياة السياسية والمؤسساتية في مصر، وفشل الانفتاح السياسي من السبعينات حتى 2011، وغياب الحس التاريخي لدى ثوار يناير 2011. يقدم فهمي قراءة مثيرة لنظام السيسي باعتباره امتدادًا لعبد الحكيم عامر وليس لعبد الناصر، ويستعرض دور إسرائيل في تشكيل الأنظمة العربية القمعية، مختتمًا بالتأكيد على أن الأنظمة العربية فاشلة وتحتاج إلى إسقاط لا إصلاح، وأن المخرج يكمن في الحرية والفردية ومساحة الخيال السياسي.

نص المقابلة

المقدمة

حمد الغيثي: مرحباً بكم في بودكاست تحولات. أنا حمد الغيثي. نواصل اليوم الحديث مع البروفيسور خالد فهمي، أستاذ التاريخ في جامعة تافتس، وهو مؤرخ معروف من مصر، كتب عن مشروع الدولة المصرية الحديثة منذ محمد علي. مشروعه البحثي القائم يتناول فيه إرث جمال عبد الناصر وحرب 67. البروفيسور خالد، مرحباً بك مرة أخرى.

خالد فهمي: أهلاً بك. شكراً جزيلاً على استضافتي.

حمد الغيثي: الله يخليك. توقفنا في الحلقة الماضية عند الصراع الذي أدى إلى هزيمة مصر في عام سبعة وستين، وتحديداً الصراع في الدولة المصرية ما بين التيار الكبير الذي يقوده المشير عبد الحكيم عامر في الجيش المصري ومفاصل الدولة المصرية، وما بين الرئاسة المصرية - جمال عبد الناصر طبعاً. وطبعاً انتهت تلك الحرب بخسارة مصر، الضفة الغربية أيضاً خسرها الأردن، الجولان. توسعت إسرائيل بشكل كبير. دعنا نتجاوز ذلك اليوم للحديث عن إرث الضباط الأحرار وجمال عبد الناصر تحديداً على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. ما الذي تغير بعد ثورة الضباط الأحرار في مصر مقارنة بالعهد الملكي؟

التحولات الاجتماعية والاقتصادية بعد ثورة 52

خالد فهمي: في سنة 52 نعم، تغير كبير. في الأول كانت حركة جيش وسُميت "الحركة المباركة"، ثم سرعان ما تحولت إلى ثورة في المسمى يعني. وده ما كانش مجرد اختلاف في اللفظ، إنما كان نتيجة انتهاج سياسات جديدة أحدثت فعلاً ثورة اجتماعية. فقضت على أشياء كثيرة من العهد البائد كما كانوا يسمونه. قضت على الملكية. قضت على القصر الملكي كمؤسسة حاكمة دستورياً وفعلياً ومسيطرة، أو لها القدرة على السيطرة على النظام السياسي. قضت على الطبقة الاجتماعية التي كانت تحتمي بالقصر وتتاجر وتتحالف معه بشكل اقتصادي واجتماعي وسياسي - طبقة كبار ملاك الأراضي وما يُسمى مجازاً الأرستقراطية الزراعية. وهذا فتح المجال. وقضت على التواجد البريطاني.

حمد الغيثي: في السويس.

خالد فهمي: في منطقة قناة السويس. منطقة قناة السويس كان بها أكبر قاعدة عسكرية في العالم. 80 ألف جندي بمعداتهم بما يُعتبر جيش احتلال. وكان التواجد البريطاني المسلح هو ما كان يُمكّن السفارة البريطانية والسفير البريطاني من التدخل عادة - بالاشتراك مع القصر الملكي - في أمور حاسمة سياسياً، أهمها كمثال حادثة حدثت في أثناء الحرب العالمية الثانية، عندما توسع النفوذ أو التواجد النازي في شمال أفريقيا بقيادة رومل ووصل إلى تخوم مصر، بل تعدى ووصل إلى مشارف الإسكندرية. وقتها كان هناك حكومة الإنجليز يعتبرونها ليست موالية بالدرجة الكافية للحلفاء، وطالبوا بتغييرها والإتيان بحكومة الوفد - هي حكومة وطنية ولكنها كانت أيضاً معادية للنازي والمحور ودول المحور. الملك كان متردد، فما كان من قوات الجيش البريطاني إلا أنها حاصرت قصر عابدين وأجبرت - في حضور السفير البريطاني - أعطاه ورقة وقال له: يا تغير الحكومة يا تستقيل وتتنازل عن العرش. فهذا كان حادث يُسمى حادث فبراير 1942. علامة دالة أو بالغة الدلالة على قوة التواجد البريطاني في - ليس فقط التواجد العسكري ولكن التواجد السياسي.

كل هذا قُضي عليه بحركة الضباط الأحرار في 23 يوليو 52. وسرعان ما انفتح المجال للقيام بإصلاحات اجتماعية واقتصادية عجزت عنها الأنظمة السابقة، أهمها إصلاح زراعي. الإصلاح الزراعي كان من أوائل المشروعات التي قام بها الضباط الأحرار في سبتمبر 52. الإصلاح الزراعي تحوم حوله شبهات كثيرة، وهناك دراسات كثيرة تناولته بالبحث والتحليل. الكثير منها يصل إلى نتيجة أن الإصلاح الزراعي لم يكن عميقاً بالشكل الكافي، بمعنى أنه لم ينتزع أراضي بشكل كافٍ من كبار الملاك ويُملّكه صغار الملاك، ولكنه قضى على الطبقة الأرستقراطية التي كانت مهيمنة على مقاليد الأمور سياسياً واقتصادياً قبل الحركة المباركة في 52.

من هنا نقدر نفهم لماذا الانقلاب بدأ يُسمى ثورة، لأن هناك فعلاً طبقة جديدة ظهرت وطبقات قديمة اندثرت. نظام سياسي جديد بمرور الوقت من سنة للتانية بيظهر، والنظام القديم سقط بالفعل. فثورة 52 كانت بحلول منتصف الخمسينات - النظام السياسي اختلف، التعدد الحزبي انتفى، التعددية الصحفية انتفت، وحرية الصحافة انتفت، حرية العمل النقابي التي كانت محدودة إلى درجة ما أُغلقت وصُودرت.

ولكن في المقابل هناك توسع كبير في الخدمات للطبقات الدنيا، وتحديداً للطبقة الوسطى: تعليم مجاني، تعليم جامعي مجاني، توظيف في المصالح الحكومية مضمون، دعم للسلع الغذائية، دعم للسكن والمواصلات، إدخال الكهرباء إلى النجوع والقرى في كافة ربوع مصر، والتوجه للمصريين.

بالحديث عن عبد الناصر - مش المفروض إن احنا ننسى - هو أول حاكم مصري. يعني أسرة محمد علي أصولها تمصّرت ولكن أصولهم مش مصرية، أصلهم من قولة ومن ربوع الدولة العثمانية. فعبد الناصر هو أول حاكم مصري، مش بس عشان هو أصوله مصرية فلاحية، ولكن هو بيتوجه للمصريين في خطابه وفي حديثه. والناس شعرت بده، إن الناس لأول مرة بتسمع شخص بيكلمهم بلغة هم فاهمينها. بس مش الموضوع بس البلاغة الخطابية، ولكن إدراك الناس وشعورهم إن الشخص ده يمثلهم ويتحدث إليهم وهو واحد منهم.

الفساد وإدراك عبد الناصر للمشكلة الهيكلية

حمد الغيثي: لكن السؤال: ما هي الكلفة التي دفعتها مصر بسبب مجيء نظام الضباط الأحرار؟ الفساد الذي أشرت إليه في أكثر من مكان، فساد العفن الذي أصاب المنظومة السياسية المصرية - عبد الناصر ألم يرَ ذلك؟ أم كان مكتوف اليدين؟

خالد فهمي: هذا سؤال محوري، وأعتقد إن هو ده فعلاً مجال ثري للبحث. وأعتقد إن احنا دلوقتي بس اللي ممكن نكون جاهزين لطرح السؤال ده بشكل علمي، لأن قبل كده الموضوع متأزم والعملية التاريخية منقسمة. فأعتقد دلوقتي ممكن نتناول السؤال ده بقدر من الموضوعية والمنهج العلمي يعني.

أعتقد إن عبد الناصر كان من أول من اعترف بعد 67 بأنه كان مكبّل وأنه أخطأ الحساب. ده شيء ما فيش شك فيه. يعني في ناس الباحثين النزيهين بيسمعوه وبيقول ده بعد هزيمة 67 بيعترف بمسؤوليته عن عدم قدرته على السيطرة على الجيش وعلى أجهزة الأمن في خطاب شهير له استمر لأكثر من ثلاث ساعات في نوفمبر 67 بعد فضيحة صلاح نصر - بعد ما قُبل استقالته وكان بيُحاكم بالفعل. عبد الناصر قال: أي دولة بيحصل فيها فساد واحنا عندنا أجهزة أمن دورها إن هي تضبط الفساد وتكشفه، طيب أنا أعمل إيه لما أجهزة الكشف عن الفساد تفسد؟ نعمل جهاز تاني يراقب على الجهاز اللي بيراقب على الأجهزة؟ طيب لو الجهاز ده كمان فسد؟

وأخذنا في خطابه الشهير ده - خدنا في رحلة ذهنية، هو بيفكر وبيوصف المشهد إزاي، وقام قال: لأ، احنا كده مش هنخلص، احنا محتاجين نظام سياسي جديد. وده كان خطاب علني. في خطاب أو في حوار غير علني في أول لقاء - أول اجتماع للاتحاد الاشتراكي، اللجنة التنفيذية العليا الذي هو صلب الاتحاد الاشتراكي الذي هو مركز الحكم الحقيقي في مصر - في أغسطس سنة 67، في أول اجتماع لهم، عبد الناصر قال لزمايله قالهم: احنا مش هنناقش دلوقتي الوضع الاقتصادي بعد الهزيمة ومش هنناقش حتى الوضع العسكري، إحنا هنناقش الوضع السياسي، احنا نظامنا السياسي مهترئ وفاشل ولازم نبحث عن نظام جديد.

وقام أفصح وقال - والكلام ده موجود في مذكرات عبد المجيد فريد - فعبد المجيد فريد في كتابه عن الفترة دي اسمه "من محاضر اجتماعات عبد الناصر"، جايب بالمحضر ده، وهو كان كاتب المحضر. فقال إنه في الاجتماع ده عبد الناصر قال - بص للي حواليه وقال: احنا كلنا مش باقي لنا في عمرنا أكثر من عشر سنوات، وأنا تحديداً لأن أنا مريض - كان يُفصح عن ويدرك أنه أيامه معدودة. طيب، النظام السياسي ده هل سيصمد بعد رحيلنا بالشكل ده؟ مش سيصمد. إيه اللي يضمن لنا أنه ما يجيش نظام جديد يقضي على كل الإنجازات اللي احنا عملناها؟

فاللي عايز أقوله إن هو كان أول من يعترف ويدرك أنه النظام السياسي برمته كان فاسد. الطريقة التقليدية اللي المصريين بينظروا بيها للموضوع ده أنه يقولوا أنه عبد الناصر فشل في تحقيق الديمقراطية، وأنه كان ليه إنجازات في مجالات مختلفة، وأنه النظام الديمقراطي كان ناقص. وفي الطريقة التانية اللي عادة الناس بتفسر بيها التناقض ده يقولوا أنه عبد الناصر أدى للمصريين حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، ولكن حرمهم من حقوقهم القانونية والدستورية.

دراستي عن الجيش وعن صلاح نصر - أنا شاكر ليك أنك بتشير إلى المحور ده كمان - أنه في شق تاني يعني: أنه مؤسسة مثل مؤسسة الجيش بأهميتها ومركزيتها وعبد الناصر هو أصلاً جاي من الجيش، إزاي نفسر أن هو ماقدرش يسيطر عليه وأنه خرج عن طوعه؟ فده علامة أو إشارة أو دليل - يمكن أكبر - على نوع الفساد اللي احنا بنتكلم عنه. الفساد مش بس الفساد الجنسي بتاع صلاح نصر ولا فساد الذمم بتاع واحد بيرتشي هنا ولا هناك، هو فساد - زي ما عبد الناصر نفسه بيقول - إن نظام فاسد وما عندوش آلية لكشف ومحاسبة الفاسدين، فده خلل هيكلي. ده مش خلل عرضي، الموضوع مش عرضي، الموضوع هيكلي وجوهري.

التفسيرات اللي بتحاول تبرر لعبد الناصر ده فهو بيقول إن هو كان مدرك ده، إنما نتيجة الظروف اللي اتوُجدت فيها الثورة مش ملاحق. فهو ما فيش - يا دوبك خلص من البريطانيين والإنجليز سنة 54، الإسرائيليين بيعملوا عمليات تفجير سنة 55 في القاهرة وإسكندرية، وبعدين العدوان الثلاثي سنة 56، وبعدين محاولة استيلاء الشيوعيين على الحكم في العراق ومنافسته - منافسة الشيوعيين ليه في توجهه العروبي، وبعدين سوريا ومأساة الانفصال في سوريا، وبعدين اليمن وتوغله في اليمن. دي هي كلها حاجات هو داخل فيها على مضض يعني. عبد الناصر تردد كتير قبل ما يوافق على الوحدة في سوريا وبعدين اليمن، هو مكنش في باله أنه هيبعت 70 ألف، ورايح بعملية صغيرة فاكر إن الموضوع هيتلم فيها.

طبعاً أنا مش موافق على التبريرات دي ولا التفسيرات دي، بس أقدر أتفهم نوع الناس اللي بتحاول تقول إن عبد الناصر كان شخصية تراجيدية، أنه أفعاله نابعة من قيم عليا بتورطه في مشاكل وتدخله في إجراءات هو عارف أن هو سيخسرها سواء داخلياً أو خارجياً.

بس إذا كان الوضع كده، إزاي احنا بقى كمجتمع - احنا ما بنكتب بيوغرافي ولا بنعمل تحليل لشخصيته، احنا بنحاول نحلل النظام السياسي - إزاي يبقى يجب علينا كباحثين وقارئين للتاريخ وكمان معاصرين للي بيحصل دلوقتي أن احنا نقول: لأ، إزاي نتعظ من ده مما حدث؟

الانفتاح السياسي وفشل الإصلاح

حمد الغيثي: أنا يعني رغم أني قرأت الكثير عن عبد الناصر وفترة عبد الناصر، لكن هذه أول مرة أسمع تشخيص لشخصيته أنه شخصية تراجيدية مأساوية. فهذه نقطة شديدة الإضاءة. تتكلم عن دور الباحثين والقراء والفئات المتعلمة في محاولة الإصلاح أو تغيير الأنظمة بشكل سلمي. نظام عبد الناصر إلى عام 2011، الثورة المصرية: هل كان هناك أي بوادر تغيير في الوضع السياسي والاجتماعي في مصر داخلياً؟ هل دفع - الدولة المصرية والنظام المصري - باتجاه الانفتاح، انفتاح حقيقي؟ طبعاً لا أتكلم عن انفتاح السادات الاقتصادي أو مبارك، الذي هو الإصلاحات التي أدت إلى إنشاء طبقة برجوازية جديدة شبيهة بالإقطاعيين في زمن الملكية. لكن حتى في الفكر السياسي للنظام المصري أنه مقبل على انفتاح - الحريات الفردية، إيمان بالفرد - هل اقترب النظام المصري إلى عام 2011 من هذا المنطلق؟ هل كانت هناك رغبة جدية فعلاً التي - يعني ذكرت أن عبد الناصر أدركها في فترة ما؟

خالد فهمي: يعني برضه من ضمن المشاكل يعني إن هو على قد ما هو أدركها، على قد ما لم يكن جاداً. في سنة 68 عندما قرر في بيان 30 مارس إجراء انفتاح سياسي، ما لم يكن جاداً ولم يكن راديكالياً أو عميقاً بالدرجة الكافية. الانفتاحات السياسية التي أعقبت موت عبد الناصر في السبعينات والثمانينات كانت برضه قاصرة. أولاً كانت جاية من إيه؟ مش هقول من الدولة يعني.

السادات عمل الانفتاح الاقتصادي سنة 74 وطالع، ما كانش عمل فردي، وكان بيعبر عن قوى اجتماعية ليست وليدة - هي موجودة من قبل موت عبد الناصر، إنما انتهزت فرصة وجود شخص زي السادات. وبعد ما حل عقدة 73 وتخلص من ضرورة القيام بحرب، ما ابتدى يعمل انفتاح اقتصادي، طبعاً، وانفتاح سياسي محدود.

الفكرة أنه القوى الاجتماعية اللي بيعتمد عليها السادات في التحول بعيداً عن النهج الناصري هي قوى محافظة وقوى - إلى حد كبير - رجعية، ولا تؤمن بالديمقراطية ولا تؤمن بتمكين جموع الشعب طبعاً. ولما الناس نزلت الشوارع لأسباب اقتصادية في يناير 77، السادات استخدم الجيش لقمع هذه الثورة والناس. الطبقة الجديدة اللي ظهرت طبعاً كانت واقفة ورا القمع ده. والموضوع ده مستمر طول الثمانينات والتسعينات أثناء حكم مبارك. ما عندناش أي طبقة وسطى قوية منظمة بتطالب بإصلاحات حقيقية ديمقراطية، ولا طبعاً طبقة عاملة عندها كوادرها وعندها قياداتها وعندها حرية التفكير والتنظيم، ولا حرية العمل النقابي اللي بيها إنها ممكن تضغط لإحداث تحول ديمقراطي حقيقي.

تجريف الحياة السياسية والمؤسساتية

حمد الغيثي: أنا ممكن أقول يعني إن النظام - نظام الضباط الأحرار - جرف الحياة السياسية في مصر، على المستوى السياسي، على المستوى النقابي، على المستوى العمالي أو نقابات المهن، يعني إفراغ المجتمع المصري من أي بنى سياسية فاعلة واجتماعية فاعلة. وبعدين لما اجى السادات شال القوميين والشيوعيين وجاب دعم الإسلاميين بقوة يعني على مستوى الجامعات وعلى المستوى. فهنا أنا أعتقد أنه - مثل يعني نقف أمام معضلة القطة والبيضة والدجاجة - بس أنا أعتقد في جذر المشكلة هي الاستبداد، استبداد النظام السياسي أنه الجموع والشعوب تكون موجهة: مرة توجه مثلاً باتجاهات قومية، ومرة باتجاهات إسلامية، ومرة باتجاهات أخرى. فأنا أعتقد هذه المعضلة - معضلة مصر وعديد من الدول العربية - أنه الاستبداد وغياب الفردية.

خالد فهمي: ده صحيح، وإنت عندك حق إنك تشير إلى تجريف الحياة السياسية والحياة الفكرية، لأنه التجريف بيقول لنا إنه قبل التجريف ده في حياة وفي مؤسسات فاعلة. وأنا درست المؤسسات دي يعني في عملي اللاحق على "كل رجال الباشا" - اللي هو دراسة لجيش محمد علي - درست مؤسسات الدولة اللي بُنيت في منتصف القرن 19: البيروقراطية الحديثة، نظام التعليم الجديد، البنية الصحية الجديدة، النظام القضائي. يعني مصر كان عندها سبق وعندها مؤسسات أنتجت كوادر وأنتجت فكر واحتكت بالواقع وأنتجت حلول.

طبعاً هي حتى من الأول - من قبل عبد الناصر - حتى الدولة دي من أول - يعني دي حاجة بفكر فيها طول الوقت - حتى المؤسسات دي لها دور كان مهم بالارتقاء بمستوى صحة الناس، القضاء على الطاعون وعلى الأوبئة وتحسين مستوى دخل المواطنين إلى درجة ما. إنما هي ما زالت كانت تحت عباءة الدولة. يعني يكفي أن أنا أقول مثال بسيط يعني: أنه مصر عملت مؤسسة - صرح طبي ضخم جداً، مستشفى ومدرسة صحية - مدرسة طبية تُعتبر الأولى في المنطقة 1827، يعني كمان سنتين هنحتفل بمرور 200 سنة على تأسيسها.

المدرسة دي خرّجت أطباء عملوا - لعبوا دور كبير جداً - في الارتقاء بمستوى الصحة العامة في مصر. إنما الأطباء دول ما كانش مسموح لهم ولا العمل بشكل فردي وفتح عيادات خاصة، يوم كانوا يتوظفوا في إدارات الدولة، ولا إنهم حتى يحملوا لقب دكتور. وبالتالي لما الواحد بيدرس حركات مماثلة في الغرب عملت حاجات مشابهة - القضاء على الجدري والقضاء على الطاعون، استحداث وإدخال أنظمة تعليم طبي جديدة - كل ده حصل في مصر، مش متأخر أوي عن فرنسا ولا إسكتلندا ولا إيطاليا ولا ألمانيا، متأخرة ممكن جيل واحد.

فمن هنا المقارنة معقودة، إنما تبص تلاقي إنه في عملية - في مهنة جديدة بتظهر، والمهنة دي عندها قواعد خاصة، وعندها احتكام لقواعدها الداخلية، وعندها قدرة على التنظيم الداخلي، وعندها القدرة على إرساء قواعد تحكم نفسها بنفسها - معايير للمهنية والاحترافية مش جاية من الدولة. الجهاز الطبي المصري مقدرش يعمل ده. فما عندناش دوريات مثلاً طبية الدكاترة دول بيعملوها، ما عندناش جوائز يجتازوا بيها بعض ويكافئون بيها بعض، وما عندهمش القدرة - وده حاجة أنا درستها بشكل دقيق يعني - ما عندهمش القدرة على إدارة شؤونهم الداخلية بشكل مستقل عن جهاز الدولة.

حمد الغيثي: هذا في عصر الملكي أو؟

خالد فهمي: عصر الخديوي، من العصر اللي هو يعني أول جيل، اتنين، تلاتة من خريجي هذه المدرسة اللي هي بنقول عليها مصر قصر العيني - اللي هي كلية الطب تبع جامعة القاهرة دلوقتي - دي أقدم مؤسسة طبية في مصر 1827، ماقدرتش تستقل بذاتها عن الدولة، وهلم جرا.

فالاستبداد كامن في طيات الدولة المصرية، دي قدرتها على التوغل والسيطرة قدرة عميقة وقوية. والناس - أعتقد جزء من اللي أنا كنت بحاول أقوله - يعني أنه احنا مش قادرين حتى المثقفين دلوقتي مش قادرين يتخيلوا دولة مش موجودة، مش قادرين يتخيلوا نفسهم دون حماية الدولة، ما بالك أن هم ينشئوا الدولة دي وأن هم يجبروا الدولة أن هي تخدمهم وأنها هتبقى - الدولة دي لا تملك شيء. الدولة هي مجموعة من العلاقات، ده مش كيان ناس. العلاقات دي متنظمة بشكل بيحمي فئات معينة، ما بيحمي جموع الشعب ولا المهن والفئات المختلفة اللي ممكن نقول عليها بتشكل طبقة وسطى. فده شيء - ده خلل.

يعني أنا كتير بقول لأصحابي: ما الواحد بيشوف المشهد الفلسطيني - على مأساته - الفلسطينيين إنتاجهم المعرفي في الأدب والفنون والتاريخ مجال بحثي متقدم جداً عن سائر البلدان العربية بما فيهم مصر. طبعاً هم بيعملوا ده لأنه قدامهم تحدي وجودي طبعاً، بس كمان ممكن يكون عدم وجود الدولة - نوع الدولة التسلطية دي - هو اللي يُمكّنهم من إطلاق العنان لطاقاتهم وخيالهم وقدرتهم على تطويع مؤسساتهم اللي هي أصلاً مش موجودة يعني.

بس احنا يعني اللي عايز أقوله إن مأساتنا في الدول العربية إن احنا يا إما عندنا دولة متسلطة قوية مثل الدولة المصرية تقمع وتهيمن على المجتمع المدني، أو لا دولة - يا إما على النمط اللبناني أو النمط الفلسطيني.

حمد الغيثي: السوداني.

خالد فهمي: أو السوداني حالياً.

ثورة 2011 وغياب الحس التاريخي

حمد الغيثي: طيب، هذه الرؤية التي طرحتها الآن للدولة المصرية، هل كانت حاضرة لدى المتظاهرين في عام 2011 عندما أسقطوا نظام مبارك - وأنت كنت أحدهم؟ هل كان لديكم، أو هل كان هذا الفهم موجود، أنه حتى برحيل مبارك - مثلما رحل السادات أو ناصر في فترة من الفترات - الدولة المتسلطة باقية، وإسقاط الزعيم أو القائد لا يعني غياب الاستبداد ولا يعني غياب التسلط؟ هل هذا الفهم كان موجود؟

خالد فهمي: لا، كان ناقص وكان قاصر. كان جزء. كان يعني أنا - أنا كنت نازل الشارع وكنت في نفس الوقت نازل كمشارك، وفي نفس الوقت كنت براقب بحكم أن أنا دارس. بس مش عايز - يعني مش عايز ألقي الناس، أنا عايز أشوف، أنا عندي إيمان بأن الناس هم اللي المفروض يلقنونا ونشوف ونسمع.

فأنا من الناحية كنت منبهر بالحراك الشعبي وتمرده على أنماط السلطة، وتمرده على - مش بس النظر على تخيلات الهيراركية - القوى بشكل عام، وأنه مش عايزين يفكروا في قائد، وكانوا بيتباهوا أن دي ثورة بلا قائد، ومتمردين على الجيل الأكبر اللي هو جيلي أنا وجيل السبعينات - الجيل الأكبر مني. وده كان شيء كنت بعتبره فعلاً ثوري.

بس كمان ده كان علامة على عامل خطير، وهو غياب الحس التاريخي، إن هم فعلاً مش قادرين يعرفوا هما جايين منين - مش قصدي بالمعنى الهوياتي، بس قصدي إيه هي المشاكل اللي درسوها وحللوها وبالتالي متمردين عليها. فده كان - ده إجابة يعني قصيرة على سؤالك.

ممكن أطرح إجابة أخرى أو طريقة أخرى للإجابة على السؤال، وهو أنه - زي ما أصف بيات، المحلل الإيراني الشهير للثورات العربية اللي كان عايش في مصر وعارفها ودرسها ودارس إيران زي ما هو دارس مصر أو دارس مصر زي ما هو دارس إيران - عنده تحليلات لطيفة، وعنده مصطلح بالإنجليزي صكّه هو يعني، كلمة نحتها، هي مزيج بين "revolution" و"reform": "refolution". فبيقول إن اللي - "refolution"، ثورة وبيفهم إصلاح - فهو بيقول إن ثورات الربيع العربي ماكانتش ثورية بشكل كافٍ وكان فيها قدر كبير من الإصلاح. الإصلاح يعني ترقيع، أنا ما بعملش ثورة، أنا بحاول أصلح الكيان من غير ما أسقطه.

فبالرغم من الشعار الشهير "الشعب يريد إسقاط النظام"، إلا أن الثائرين دول ما كانوش ثائرين بشكل - ثوار بشكل كافٍ. فبيقول عليهم إنهم كانوا"refolution" - ما كانتش "revolution" بشكل حقيقي، ماكانتش ثورة بشكل حقيقي. وأنا أعتقد إن ده جزء كبير - يعني أعتقد إن جزء كبير من كلام قصر بيات صحيح - أنه كان في حدود دنيا، سقف متدني جداً للمطالب. هي مطالب إصلاحية في النهاية، مش مطالب ثورية تغيير.

حمد الغيثي: تعليقاً على أن الثورات العربية كانت - ثورات كاملة كانت أقرب إلى الإصلاح - وباستدعاء الشعار الشهير "الشعب يريد إسقاط النظام": نحن عندنا في عُمان نسختنا من الربيع العربي ما كانت طموحة مثل مصر، فكان الشعار الذي نادى فيه الناس - وأنا كنت من ضمن المشاركين - "الشعب يريد إصلاح النظام". ربما كنا أكثر واقعية أو أقل طموحاً.

لماذا فشلت الثورات العربية؟ بدأً في مصر وانتهاءً - يعني الحبل طويل مثلما يقولون - على الجرار.

فشل الثورات العربية وحدود الإصلاح

خالد فهمي: يعني احنا قلنا بالفعل تفسير لده، اللي هو أن الثوار ما كانش عندهم أي برنامج أو خطة أو أسلوب لفعلاً إسقاط النظام. الثورة يعني إسقاط، يعني إصلاح ده شيء آخر، دي مش ثورة. والسؤال هو: هل الأنظمة كانت تحتاج إلى إصلاح أم إلى إسقاط - إسقاطها؟ أنا فإنها ما زالت تحتاج إلى إسقاطها. الأنظمة دي فاشلة من أول ما اتعملت، ملعبتش احتياجات الناس، وبالنسبة للنظام الناصري هو الاحتياج الأساسي هو حماية الحدود - فدي أنظمة فاشلة وفشلت. يعني احنا لسه عندنا أمية في مصر بعد سبعين سنة من ثورة 52، نسبة الأمية ما زالت عالية، نسبة التضخم، نسبة الاقتصاد - الوضع يعني حدث ولا حرج.

حمد الغيثي: خاصة الأمية في مصر خاصة لدى الإناث، أكثر من نصف مستوى الأمية في العالم العربي موجود في مصر.

خالد فهمي: وده يتبعه أشياء كثيرة، منها أهمها طبعاً ازدياد معدل المواليد. يعني ده شيء قديم معروف، الدولة بتكلمنا - احنا يعني - إن إنتم تخلفوا كتير، وبتعلق مشاكلها على الشماعة دي وفشلها على الشماعة دي. وده لسان حال حكوماتنا، وحكوماتنا بتكلمنا: الفشل فينا احنا، يا إما بناكل كتير - السيسي بيقول لنا - ومش راضيين بشكل كافٍ أو بننام متأخر أو نصحى متأخر أو نخلف كتير. طيب لو احنا - لو إنت شايف إن إنت بتخلف كتير، طيب دلوقت ده واقع، طيب سببه إيه؟ معروف، معروف، ده شيء مش غريب، ده مش موضوع إنه ده شيء في جيناتنا أو ده عادات لا تتغير. الحاجات دي بتتغير، واحنا تتغير بإيه؟ بالارتقاء بمستوى تعليم الإناث. لأن لما بنعلم الإناث - الستات بيبقى عندهم أولاً دراية بوسائل تنظيم الأسرة من ناحية، ومن ناحية تانية عندهم قدرة على التحكم في أجسادهم، وقدرة على تنظيم أمورهم في داخل البيت مع أزواجهم من غير تعليم.

وده معروف في مصر، مش دولة تانية، لما مستوى تعليم الإناث بيزيد وإقبال الإناث على التعليم بيزيد، ولما هروبهم من المدارس أو نسبة الهروب من التعليم بتقل، وإقبالهم على وسائل تنظيم الأسرة بيزيد، بيبقى - بنلاقي انخفاض في معدل الزيادة السكانية من سنة للتانية.

حمد الغيثي: وعموماً في أدبيات التنمية الاقتصادية ودفع النمو الاقتصادي وارتفاع نسب - بالعربي اللي هي - إدخال المرأة في سوق العمل وتجويد هذا الإدخال، تلقائياً نسبة المواليد تنخفض. فارتفاع نسبة المواليد يعني يدل على فشل أبعاد مهمة من التنمية في مصر.

خالد فهمي: فشل الحكومة، فشل الحكومات المختلفة. ده، وهم بيقلبوا الآية وبيقولوا ده السبب في ده - فشلكم، إنتم مش عارفين تنظموا أموركم. فده يعني - بلاقيه تفسير يعني مخزي ولو تسمح لي في التعبير - يعني تفسير حقير من قبل حكامنا لمحاولة طمس الحقائق وإلقاء اللوم على الشعوب.

فأنا بالتالي في رأيي إن الأنظمة دي أنظمة فاشلة. النظام العربي بعد حركات الاستقلال من الخمسينات وطالع فشلت. الأنظمة العربية فشلت، وإن الأوان استبدالها. الفكرة: استبدلها بإيه ومين اللي استبدلها ومنين؟

حمد الغيثي: لم - نحاول، حاولت الشعوب العربية في 2011، فشلت. الربيع العربي فشل في كل مكان. وطبعاً كان هناك نوع حملة بروباغاندا كبيرة على المستوى العربي - وأنت أدرى بها - سُمي "الخريف العربي"، "الشتاء العربي"، وغيره. لكن بعيداً عن التسميات، طبعاً حركات الربيع العربي كانت قامت بسبب مشاكل خطيرة كامنة في المجتمعات العربية: الحكم، المساواة، العدالة، الحرية. الحين حركة كبيرة مثل التي حدثت في مصر والآن تونس للأسف - لماذا فشلت؟ يعني أنت تطرقت إلى غياب الوعي لدى الشباب، لكن لماذا محكوم على المجتمعات العربية أن تفشل دائماً في التحرر أو بناء مستقبل أفضل؟

خالد فهمي: احنا قدام تحديات عميقة. عندنا يعني عندنا إرث استعماري لم نتمكن من التخلص منه بعد. عملية التحرر من الاستعمار - ما زال أفكار تسلطية غير ديمقراطية أرساها المستعمر في أنظمتنا القانونية والسياسية - وتمسكنا بها بعدما تخلصنا من المستعمر. فده سبب.

السبب التاني: عندنا مشكلة إسرائيل الجاثمة على صدورنا، المتاخمة لنا على الحدود، اللي تستنزف قوانا الاقتصادية والفكرية في تحدي خطير جداً. إسرائيل دولة صغيرة صحيح، إنما مدعومة. احنا بننسى - ناس كتير بتفكر على إن إسرائيل دولة صغيرة زي كده، أصلها بتدعم الاقتصاد وبتدعم والهايتك. وإسرائيل لن تقوم لها قائمة دون الدعم الأمريكي والدعم الغربي لها اقتصادياً وعسكرياً ومعرفياً وقانونياً ودبلوماسياً.

فهذه دولة تستنزفنا. القوى الاستعمارية - أنا بستخدم طبعاً مصطلحات عبد الناصر بس هي ما زالت موجودة - بتدعم هذه الدولة الصغيرة الوليدة لأسبابها الخاصة، ودي موجودة في عقر دارنا تستنزفنا، ومش بشكل مباشر. يعني المؤسسة العسكرية المصرية المهيمنة على النظام السياسي ما لهاش هيبقى شرعية لو ما فيش الخطر الجاثم. والفرق مثلاً بين مصر وتونس جاي من كده. تونس ما لهاش جيش قوي بيلعب دور مهم ومسيطر ومركزي في الحياة السياسية لأن معندهمش إسرائيل، لأسباب تانية كتيرة طبعاً، بس ده جزء مهم. احنا من سنة 48 وعندنا خطر على الحدود.

دور إسرائيل في تشكيل الأنظمة العربية

حمد الغيثي: أنا يعني إنت سبقت - سبقتني يا بروفيسور فهمي - للحديث عن إسرائيل ودورها. أنا أعتقد شخصياً - قراءات وتأملات - أنه وجود إسرائيل منذ عام 48، إعلان الدولة وتشابكها المستمر إلى اليوم مع العرب، هي أكبر سبب لأسباب التخلف العربي على المستوى الثقافي، على المستوى السياسي بأشكال متعددة، وما ضرورة بسبب مباشر - يعني أن إسرائيل تحاول أن تدفع العرب نحو التخلف - لكن في ديناميات ثقافية موجودة في الثقافة العربية وفي المجتمعات العربية تفاعلت مع وجود إسرائيل وقادتنا إلى الوضع الذي نحن عليه.

أنا أريد أعرف إذا كان مثل هذا الكلام يعني - أعتقد أنه معقول أو له ما يبرره. الجانب الثاني أيضاً: هل تتفق معي أنه في ضوء ما ذكرته قبل قليل أنه الأساليب والتيارات الفكرية العربية الفاشية - تكلم عن القومية العربية بأشكالها المتطرفة تحديداً مثل البعث لدى صدام، لدى الأسد - والإخوان المسلمين - يعني التي لا تعترف بالفرد - هذه تيارات كبرى في ثقافتنا العربية ولها مؤسسات كبيرة سواء رسمية أو غير رسمية، هذه ما كانت راح تكون موجودة بنفس الزخم لولا وجود إسرائيل.

خالد فهمي: أتفق معك إلى درجة كبيرة، خصوصاً في الشق الأول. زي ما بيقولوا بالإنجليزي "it takes two to tango"، أو زي ما بنقول بالمصري عندنا: إيد لوحدها ما تقفش. إسرائيل لوحدها ما عندهاش القدرة على فرض هيمنتها على الدول العربية وعلى المجتمعات العربية ومقدراتنا في العالم العربي إلا بوجود - مش هنقول حلفاء، يعني الموضوع مش تواطؤ وناس بتقعد في السر وكده - بس في التقاء وجهات نظر بين نخب اقتصادية وفكرية وثقافية وسياسية مع التوجه الإسرائيلي.

وبرضه - برضه برجع للحظة 67، معلش أنا هعمل استطراد لحرب الاستنزاف لما بلاقيها حاجة دالة. يعني احنا 67 انهزمنا، فهذه طريقة للتفكير في إسرائيل كعدو عسكري فقط - إسرائيل هزمتنا هزيمة عسكرية. احنا في 67 - مصر 67 - ما استسلمنا. يعني إيه ما استسلمنا؟ لما نقول "رفضنا الهزيمة" أو "لم نقبل الهزيمة"، احنا قلنا: احنا انهزمنا عسكرياً بس مش هنقبل ده. بمعنى إيه؟ بمعنى أنه الحاجة اللي احنا كنا بنحارب عشانها لن نتخلى عنها، ومش هنسلم أنها كانت خطأ، ومش نتنازل عن مبادئنا ولا هنرجعها.

وعبد الناصر كان عنده أكتر من حوار سنة 68 و69 بالمعنى ده، واحد منهم كان بيقول فيهم: احنا لم ننهزم طالما لم نوقع صلحاً مع إسرائيل ولم نتنازل عن الحقوق الفلسطينية. فده معنى - يعني أنه احنا انهزمنا عسكرياً، بس حقوق الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية مش هتنازل - مش نتنازل عنها. دلوقتي طبعاً مهمتنا بقت أصعب لاسترداد هذه الحقوق، إنما فكرة الحقوق وفكرة مواجهة إسرائيل مش غلط ومش هنعيد التفكير فيها.

السؤال هو: امتى بدأنا نعيد التفكير فيها؟ وامتى بدأنا نقول أنه والله ما هي برضه في النهاية مش غلط، وأنه مواجهتها طول الوقت هو ده اللي غلط؟ يعني احنا دلوقتي عندنا صحفيين في مصر بيقولوا: ليه طول الوقت تفكرون بالمذابح اللي إسرائيل كانت ترتكبها ضد المدنيين المصريين؟ التذكرة دي والذكرى دي في حد ذاتها هي اللي غلط، وده اللي - وده هو اللي وصلنا لثمانية أكتوبر. فده يعني ده نوع الانهزامية اللي أنا بتكلم عنها، إن بنلاقي نخب بتصعد في أوساطنا الثقافية والدبلوماسية، وطبعاً الاستخباراتية...

حمد الغيثي: طبعاً.

خالد فهمي: اللي بتقول: مش بس بقى أنه إسرائيل مش غلطانه أنها عملت اللي هي عملته، أو لو كانت غلطت فاحنا نتناسى - حتى لو كانت اللي هي عملته مش قتال جيش قدام جيش، بس استهداف مدنيين - احنا ماشي ونعدي ده ليه؟ وأنه بل كمان أنه التعاون مع إسرائيل في المجالات السياحية والاقتصادية والفنية والطاقة والتبادل المعلوماتي والاستخباراتي هو الطريق الأمثل للنهوض والنهضة وللتقدم. فطبعاً أنا - أنا في رأيي ده علامة على الانبطاح التام والاستسلام والتخلي عن المبادئ والهزيمة.

حمد الغيثي: وهزيمة غياب الإرادة.

خالد فهمي: غياب الإرادة أو الانبطاح ده، وأن نقبل الهزيمة.

نظام السيسي: امتداد لعامر وليس لعبد الناصر

حمد الغيثي: أريد أسألك عن واقع النظام المصري. يعني في نظام الرئيس السيسي: أين نقف اليوم بالنسبة لمصر في ظل حكم الرئيس السيسي مع تعديل الدستور المصري؟ طبعاً إذا أخذنا في النظر إرث نظام الضباط الأحرار وثنائية عامر وعبد الناصر، تلك الإشكالية الكبيرة - نظام الرئيس السيسي، ما هو موقعه من الإعراب وإلى أين يمضي؟

خالد فهمي: أجاوب في الأول بخصوص المقارنة مع نظام عبد الناصر والانقسام بينه وبين عبد الحكيم عامر، وبعدين بشكل عام اللي هو الوضع الحالي لنظام السيسي.

في لحظة ما - حوالي خمس أو ست سنين - كان يحلو للرئيس السيسي أنه شبّه نفسه بعبد الناصر، وفي ناس كتير عملوا - عقدوا هذه المقارنة. والسيسي نفسه كان في حوار شهير يعني كان بيحسد عبد الناصر على جهازه الإعلامي، عشان كان في زخم إعلامي، وقدر أن عبد الناصر يحدث هيمنة من خلال جهازه الإعلامي على المجتمع المصري.

أنا الحقيقة شايف أنه طبعاً مفيش وجه للمقارنة بين السيسي وعبد الناصر، ولا في التوجه ولا في الفكر ولا في الشخصية ولا في الكاريزما ولا في التخيل والفكر يعني. بس تحديداً - سيبنا من التحليل الشخصية وخصال الشخصية - وإنما في التحليل الهيكلي للنظام السياسي. لو أننا اعتبرنا - زي ما أنا بحاول أقول - إن ملمح أساسي من نظام عبد الناصر: إن عبد الناصر ماكانش في الحقيقة مهيمن، وماكانش مسيطر على جهاز الجيش، وإن عامر هو اللي كان مهيمن عليه - فالسيسي في رأيي هو امتداد لعبد الحكيم عامر، مش امتداد لعبد الناصر.

السيسي هو امتداد لهذا الاتجاه اليميني المسيطر على الجيش اللي شايف أنه ولاء الجيش يجي من خلال إعطاء مزايا ضخمة جداً للضباط وقيادات الجيش الكبرى بمنأى عن مهنيتهم العسكرية وحرفيتهم في المجال العسكري. ده شيء السيسي ما - هو ده الشيء. السادات هو اللي ابتدى وكملوا عهد مبارك، بس السيسي خدوا إلى آفاق أبعد بكتير.

بس الموضوع معقد عن كده، لأن السيسي مش بس امتداد الحقيقي لعبد الحكيم عامر، لأن برضه لو احنا فكرنا في التحليل الجيد جداً اللي بيقدمه حازم قنديل في كتابه عن الثالوث القوى في مصر - مؤسسة الرئاسة، مؤسسة الجيش، ومؤسسة الأمنية - وأنه من اتنين وخمسين، الأجهزة التلاتة دي بتعمل في تناحر مع بعضها البعض، مش في تناغم. فاللي بنلاقيه وقت السيسي هو قدرته الحقيقية على توحيد هذه أضلع المثلث أو أركان المثلث الثلاثة دي بشكل حتى عبد الناصر ميقدرش يحققه.

من هنا بقى بنفهم المقارنة اللي هو بعقدها مع عبد الناصر أن هو اللي ناقصه - إيه اللي ناقصه؟ الكاريزما واللي ناقصه الخطابة واللي ناقصه التأثير على المجتمع اللي هو يحيله إلى أجهزة البروباغاندا والصحافة والإعلام. ورغبة السيسي طول وقت أن هو يعيد بناء النظام الإعلامي من خلال الشركات الضخمة اللي الجيش والمؤسسات الأمنية مش بتشتري - بتشتري استوديوهات وتنشئ شركات، مش نظام الرقابة بتاع زمان إن فيه رقيب بيقول للاستوديو الخاص أو القناة الخاصة: قول كذا أو كذا، لأ ده أنا هشتري...

حمد الغيثي: يكون مالك.

خالد فهمي: ويكون مالك للجهاز ده. برضه شيء مش مصر بس اللي عملته - تركيا عملت ده - وبالتالي بلدان تانية كتيرة عملت ده. بس قصدي أقول أنه ده اللي السيسي بيعتقد أن هو يفتقر إليه. فده من ناحية المقارنة مع نظام عبد الناصر - إلى أي درجة يُعتبر ده امتداد. بس كمان في تحولات مهمة وفي حاجات السيسي قدر يعملها عبد الناصر عمره ما عارف يحققها في قدرته على إحكام قبضته على مؤسسات الدولة.

مصر على حافة الإفلاس حرفياً، واللي ينقذها هي زخّات أو زخّات ضخمة جداً من النقود - الاستثمارات المباشرة من قبل دول الخليج، تحديداً الإمارات وقطر والسعودية.

بس نرجع تاني للحظة تأسيس النظام، وبرضه مقارنة مع عبد الناصر. عبد الناصر سنة 52 - يعني الهاجس هو التخلص من الملك، التخلص من الاستعمار البريطاني. بالنسبة للسيسي هو لحظة يناير اللي هو شايف أن هي كانت تقوّض دعائم الدولة دي، وشاف بذكائه أنها فتحت الفرصة له كواحد جاي من جهاز الجيش أنه يعيد سيطرة الجيش على مقاليد الحكم بعد ما كان فقدها في حقيقة الأمر من 67 وطالع.

إن الشرطة هي اللي حلت محل الجيش - بالرغم من اعتماد السادات على الجيش سنة 77 في إعادة تملكه زمام الأمور في الشارع وقت أحداث 18 و19 يناير، ده كان الاستثناء الوحيد - غير كده الشرطة هي، والأمر وصل لوقت مبارك أنه جهاز أمن الدولة - وهو جهاز تبع الشرطة مش تبع الجيش - اللي كان مسيطر على الحياة السياسية في مصر، والجيش في الخلفية موجود بس مش في صدارة المشهد.

اللي عمله السيسي أنه انتهز لحظة يناير وعرف أنه يعيد هيكلة النظام السياسي. ده - دي اللعبة الداخلية اللي هي اللي بيقولوا على "الدولة العميقة" أو الصراع الخفي ده بين أجهزة أو الأضلع الثلاثة من المثلث اللي حازم قنديل بيقول إن الدولة المصرية بتتكون منها.

إنما بخصوص بقى الحاجة اللي بقول عليها - لو احنا هنفكر مش كمثلث بس كمربع - الركن الرابع من المربع هو: احنا الغلابة، الشعب، المية مليون اللي هم مش خاضعين للمثلث ده. ال100 مليون دول إيه اللي - إيه الحاجة اللي توجّه بيها السيسي ليهم؟ ملهومش - أنا هفتح بيهم - بيكم مالهمش - أنا عندي مستقبل مزدهر ليكم مدام أحلام، ولو كانت واهية أو لو كانت حالمة أو لو كانت غير ما هو الحلم - ما هو لازم يكون حلم، مش يعني يكون بعيد شوية عن الواقع.

لأ، هو قال لهم: مجرد أن أنا أحميكم من لحظة يناير دي، أنا هعمل جاهداً على أن دي اللحظة دي ما تتكررش، وإن الهلع اللي إنتم حسيتوا به - وطبعاً أي ثورة بتجيب معاها هلع طبعاً، وتحديداً لو كانت هي ثورة فاشلة أو أنها ثورة أُجهضت أو مكملتش مسيرتها - فهو خاطب المشاعر دي - مشاعر حقيقية - وقال لجموع الشعب المصري أنه: أنا أضمن لكم مستقبلكم، إدوني تفويض.

وده برضه شيء في جينات الدولة المصرية: هو امتى الدولة بتنزل للشارع عشان تحتمي به وتطلب مؤازرته؟ عبد الناصر عمل كده يوم 29 يونيو، ودي كانت لحظة ميلاد جديد للدولة المصرية، وهو قال ده: قال ده تفويض جديد لي.

في لحظة - يعني في الانقلاب الذي قام به السيسي لما قال: أنا عايز تفويض، انزلوا الشارع، اعملوا تفويض عشان أخلصكم من الإخوان - طبعاً دلوقتي احنا مدركين أن هو ما خلصناش من الإخوان، بس هو خلصنا من - يعني بفزاعة الإخوان دي اللي هي وراها إيه؟ وراها إعادة استقرار. فهو كارت الاستقرار هو اللي بيستخدمه دون غيره. مفيش شيء تاني إيجابي، هو طبعاً ده شيء سلبي، بس يعني الامتناع عن شيء سلبي بمعنى إيجابي، يعني أن أنا أحميكم من الانهيار اللي إنتم شايفينه في اليمن، شايفينه في ليبيا، اللي شفتوه في سوريا.

فأنها تحمي الدولة دي، ومع الدولة دي إنتم كمان - بقى إيه على البيعة - أحميك وأحمي ممتلكاتهم وأرواحكم ونظم حياتكم، وبس. هو ده اللي بيقدمه السيسي للشعب. في مقابل ده: خد حقوقنا الدستورية، وخد حقوقنا القانونية، وزوّد على ده كمان حقوقنا الاقتصادية والاجتماعية. فده عقد اجتماعي مختلف عن العقد الاجتماعي اللي كان عبد الناصر بيعرضه علينا - على قصور عرض عبد الناصر الاجتماعي - عقد عبد الناصر الاجتماعي لينا.

فالمخرج من ده - في الأزمة دي وفي أزمة اقتصادية مستفحلة - هو الاستعانة بدول الخليج والاستعانة بالدعم الدبلوماسي الغربي والروسي لأسباب مختلفة تتعلق باستقرار المنطقة، مش برفاهية الشعب المصري ولا إصلاح المجتمع ولا رقيه.

المخرج من الأزمة والعلاقة بالماضي

حمد الغيثي: هل هناك مخرج لمصر من هذه الحلقة المفرغة؟

خالد فهمي: طول الوقت في مخرج. يعني لو الواحد فكر فيه - في مخرج - هو أنه أياً كان المخرج إيه، هو لازم يكون مبني على إدراك إن ده مش حل. دي مش حلول أنه يوم ما اتزنق أروح أبيع حتة من البلد، أبيع شاطئ، أبيع مدينة، أبيع ميناء.

وده بيورينا - أنا بدرّس تاريخ الشرق الأوسط الحديث، بدرّسه لطلابي - الأسبوع اللي فات مدرّسهم عملية الامتيازات اللي ملوك إيران القاجار كانوا بيدوها للشركات الأجنبية. إن واحد مش عارف يبني ميناء ولا يمد خطوط سكة حديد ولا خطوط تلغراف، فيديها لشركة، أو طبعاً البترول - يعني - فنرجع في نظير إيه؟ 16 في المئة من الأرباح سنوياً، ده يوم ما يكون - يعني إيه - ربنا راضي عنه. فنرجع تاني للمعادلة دي.

يعني نوع الامتيازات دي اللي احنا قعدنا سنين وقرون نحارب ضدها، نرجع تاني للمعادلة دي أن الحاكم المصري يبقى عنده القدرة أن هو يبيع مقدرات أجيال لاحقة عشان يجيب كم مليون دولار عشان يبني بيهم - هنقول حتى مش هنقول أنه بيبني بيهم قصور، وده اللي بيعملوا - هنقول بيبني بيهم مدارس مجازاً، وهنقول بيبني بيهم مستشفيات، وده مبيحصلش. بس إنت بتبني بإيه؟ فبدل ما تستثمر في القوى الإنتاجية الحقيقية، بتحل الموضوع بشكل: أجيب فلوس من الخليج هنا عشان أسدد بيها القرض ده، ويوم ما أتزنق آخد قرض جديد. يعني دوامة القروض دي - نوع التفكير ده - تفكير اقتصادي بائس جداً وقديم. يعني احنا جربنا ده في القرن التسعتاشر، ده مش حاجة جديدة علينا.

حمد الغيثي: سؤالي: كيف يمكن؟

خالد فهمي: طبعاً العلاقة مع الماضي في لحظة استشراف مستقبل أو نقد الحاضر هي علاقة معقدة، زي ما كنا بنحكي قبل كده عن - في تحليلنا - عن 2011. من ناحية أنا مش عايز أكون أسير الماضي، بس لازم أكون درسته. ما ينفعش أتخلص منه وأقول له ما أثرش عليا، وما ينفعش أكون برضه خاضع ليه وأقول إن أنا مجرد استمرار له. فهي علاقة يعني شائكة بالمعنى ده. محتاج أن أنا أدرس الماضي، بس محتاج كمان أن أنا أتخلص منه.

وبنشوف - يعني في لحظات تحول مهمة أو لحظات بيطلع فيها شخصية - ظروف العالم العربي كلها مهيأة لظهور تيار جديد أو شخص جديد أو فكرة جديدة تكون - يعني - تستلهم الماضي بس عشان - عشان مش تعيده وتكون أسيرة له، بس عشان تاخد منه حاجة وترسم طريق للمستقبل.

أنا كنت أستمع لخطاب النصر بتاع ممداني - زهران ممداني - من أسبوع، فلقيته بيعمل ده: بيستلم حاجات في التاريخ الأمريكي وتاريخ نيويورك وتاريخ الهند - نهرو - بس هو مش امتداد لنهرو ولا امتداد لأي شخصية من الشخصيات التانية اللي ذكرها. هو حاجة جديدة، بس الجديد ده جاي منين؟ جاي من دراسة عميقة ودقيقة ومتأنية للواقع. والواقع ده جه منين؟ وتحليله، وبعدين ابتدي أتخيل شيء جديد.

بس ده عشان يكون - عشان يبقى عندنا القدرة على ده - لازم يبقى عندنا مجال مفتوح إلى حد ما نقدر أن احنا نعمل فيه. ده احنا البلدان العربية مش قاصرة في مشاكلها ولا عندها قصور في الكوادر والأفكار والعقول - الشابات والشباب اللي عندهم ولع بمجتمعاتهم ويدرسوه - بس هي حتة الخيال دي اللي ناقصها أنه، والمساحة اللي ممكن أن هي تمكنهم من بلورة فكر.

الخاتمة

حمد الغيثي: أنا أتفق معك تماماً. أعتقد الحرية، الحرية والتأكيد على الفردية - وللأسف أعتقد أغلب الدول العربية إن لم تكن جميعها فقيرة في هذا المجال. بروفيسور فهمي، شكراً جزيلاً، شرفتنا حلقتين للحديث عن مصر والواقع العربي. ممتن، تعلمت منك كثير.

خالد فهمي: شكراً جزيلاً على هذه الفرصة، ولقاء - يمكن جديد مرة تانية - يبقى عندنا لقاء وحديث مستقبلي.

حمد الغيثي: اللهم آمين، اللهم آمين.

خالد فهمي: شكراً، شكراً جزيلاً.

حمد الغيثي: شكراً.

حلقات أخرى